فصل: قال الخازن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن جزي:

{قُلِ الحمد لِلَّهِ وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى}.
أمر الله رسول أن يتلو الآيات المذكورة بعد هذا، لأنها براهين على وحدانيته وقدرته، وأن يستفتح ذلك بحمده، والسلام على من اصطفاه من عباده، كما تستفتخ الخطب والكتب وغيرها بذلك، تيمنًا بذكر الله، قال ابن عباس: يعني بعباده الذين اصطفى الصحابة، واللفظ يعم الملائكة والأنبياء والصحابة والصالحين {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} على وجه الرد على المشركين، فدخلت خير التي يراد بها التفضيل لتبكيتهم وتعنيفهم، مع أنه معلوم أنه لا خبر فيما أشركوا أصلًا، ثم أقام عليهم الحجة بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وبغير ذلك مما ذكره إلى تمام هذه الآيات، وأعقب كل برهان منها بقوله: {أإله مَّعَ الله} على وجه التقرير لهم، على أنه لم يفعل ذلك كله إلا الله وحده، فقامت عليهم الحجة بذلك وفيها أيضاَ نِعَمٌ يجب شركها فقامت بذلك أيضًا، وأمَّا في قوله: {خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} متصلة عاطفة، وأم في المواضع التي بعد منقطعة بمعنى بل والهمزة {قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} أي يعدلون عن الحق والصواب أو يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلًا ومثيلًا {رَوَاسِيَ} يعني الجبال ذكر في [الفرقان: 53].
{يُجِيبُ المضطر} قيل هو المجهود، وقيل الذي لا حول له ولا قوّة، واللفظ مشتق من الضرر: أي الذي أصابه الضّر أو من الضرورة أي الذي ألجأته الضرورة إلى الدعاء {خُلَفَاءَ الأرض} أي خلفاء فيها تتوارثون سكناها {أَمَّن يَهْدِيكُمْ} يعني الهداية بالنجوم والطرقات {بُشْرًَا} ذكر في [الأعراف: 75] {مِّنَ السماء والأرض} الرزق من السماء: المطر ومن الأرض: النبات {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} تعجيز للمشركين.
{قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله} هذه الآية تقتضي انفراد الله تعالى بعلم الغيب، وأنه لا يعلمه سواه، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمدًا يعلم الغيب فقد أعظم الفرية على الله، ثم قرأت هذه الآية، فإن قيل: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بالغيوب وذلك معدود في معجزاته، فالجواب: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إني لا أعلم الغيب إلا ما عملني الله» فإن قيل: كيف ذلك مع ما ظهر من إخبار الكهان والمنجمين، وأشباههم، بالأمور المغيبة؟ فالجواب: أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف أو عن وهم لا عن علم، وإنما اقتضت الآية نفي العلم، وقد قيل: إن الغيب في هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة، لأن سبب نزولها أنهم سألوا عن ذلك، ولذلك قال: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}، فعلى هذا يندفع السؤال الأول، والثاني لأن علم الساعة انفرد به الله تعالى لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله} [الأحزاب: 63] ولقوله صلى الله عليه وسلم: «في خمس لا يعلمها إلا الله» ثم قرأ: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة}. إلى آخر السورة، فإن قيل: كيف قال: {إِلاَّ الله} بالرفع على البدل والبدل، لا يصح إلا إذا كان الاستثناء متصلًا، ويكون ما بعد إلا من جنس ما قبلها والله تعالى ليس ممن في السموات والأرض باتفاق؟ فإن القائلين بالجهة والمكان يقولون إنه فوق السموات والأرض، والقائلين بنفي الجهة يقولون: إن الله تعالى ليس بهما ولا فوقهما، ولا داخلًا فيهما، ولا خارجًا عنهما، فهو على هذا استثناء منقطع، فكان يجب أن يكون منصوبًا فالجواب من أربعة أوجه:
الأول أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل، وإن كان منقطعًا كقولهم ما في الدار أحد إلا حمار بالرفع، والحمار ليس من الأحدين وهذا ضعيف، لأن القرآن أنزل بلغة الحجاز لا بلغة بني تميم، والثاني أن الله في السموات والأرض بعلمه كما قال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] يعني بعلمه، فجاء البدل على هذا المعنى وهذا ضعيف، لأن قوله: {فِي السماوات والأرض} وقعت فيه لفظة في الظرفية الحقيقية، وهي في حق الله على هذا المعنى للظرفية المجازية، ولا يجوز استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند المحققين، الجواب الثالث أن قوله: {مَن فِي السماوات والأرض} يراد به كل موجود فكأنه قال من في الوجود فيكون الاستثناء على هذا متصلًا، فيصح الرفع على البدل، وإنما قال: {مَن فِي السماوات والأرض} جريًا على منهاج كلام العرب فهو لفظ خاص يراد به ما هو أعم منه: الجواب الرابع أن يكون الاستثناء متصلًا على أن يتأول من في السموات في حق الله كما يتأول قوله: {أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السماء} [الملك: 16] وحديث الجارية وشبه ذلك {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أي لا يشعرون من في السموات والأرض متى يبعثون، لأنّ علم الساعة مما انفرقد به الله، روي أن سبب نزول هذه الآية أن قريشًا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟.
{بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة} وزن أدّراك تفاعل ثم سكنت التاء وأدغمت الدال واجتلبت ألف الوصل، والمعنى تتابع علمهم بالآخرة وتناهى إلى أن يكفروا بها، أو تناهى إلى أن لا يعلموا وقتها، {وقرئ} أدرك بهمزة قطع على وزن أفعل والمعنى على هذا: يدرك علمهم في الآخرة، أي يعلمون فيها الحق، لأنهم يشاهدون حينئذ الحقائق، فقوله: {فِي الآخرة} على هذا ظرف، وعلى القراءة الأولى بمعنى الباء {عَمُونَ} جمع عم، وهو من عمى القلوب.
{رَدِفَ لَكُم} أي تبعكم، واللام زائدة، أو ضمن معنى قرب وتعدى باللام، ومعنى الآية: أنهم استعجلوا العذاب بقولهم: متى هذا الوعد، فقيل لهم: عسى أن يكون قرب لكم بعض العذاب الذي تستعجلون، وهو قتلهم يوم بدر.
{غَآئِبَةٍ} الهاء فيه للمبالغة: أي ما من شيء في غاية الخفاء، إلا وهو عند الله في كتاب.
{إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى} شبه من لا يسمع ولا يعقل بالموتى؛ في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء، ثم شبههم بالصم وبالعُمي وإن كانوا صحاح الحواس، وأكد عدم سماعهم بقوله: {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ}، لأن الأصم إذا أدبر وبعد عن الداعي زاد صممه وعدم سماعه بالكلية.
{وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم} أي إذا حان وقت عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله في ذلك وهو قضاؤه، والمعنى إذا قربت الساعة أخرجنا لهم دابة من الأرض، وخروج الدابة من أشراط الساعة، ورُوي أنها تخرج من المسجد الحرام، وقيل: من الصفا، وأن طولها ستون ذراعًا، وقيل: هي الجساسة التي وردت في الحديث {تُكَلِّمُهُمْ} قيل: تكلمهم ببطلان الأديان كلها إلا دين الإسلام، وقيل: تقول لهم: ألا لعنة الله على الظالمين، وروي أنها تسم الكافر وتخطم أنفه وتسوِّده، وتبيض وجه المؤمن {أَنَّ الناس} من قرأ بكسر الهمزة فهو ابتداء كلام، ومن قرأ بالفتح فهو مفعول تكلمهم: أي تقول لهم إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، أو مفعول من أجله تقديره تكلمهم، لأن الناس لا يوقنون ثم حذفت اللام، ويحتمل قوله: {لاَ يُوقِنُونَ} بخروج الدابة، ولا يوقنون بالآخرة وأمور الدين، وهذا أظهر.
{فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي يساقون بعنف {أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أم استفهامية، والمعنى إقامة الحجة عليهم، كأنه قيل لهم إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها {وَوَقَعَ القول عَلَيهِم} أي حق العذاب عليهم أو قامت الحجة عليهم {فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} إنما يسكتون لأن الحجة قد قامت عليهم وهذا في بعض مواطن القيامة، وقد جاء أنهم يتكلمون في مواطن {لِيَسْكُنُواْ فِيهِ} ذكر في [يونس: 6] {يُنفَخُ فِي الصور} ذكر في [الكهف: 99] {إِلاَّ مَن شَاءَ الله} قيل: هم الشهداء، وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام {دَاخِرِينَ} صاغرين متذللين.
{تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} أي قائمة ثابتة {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ} يكون مرورها في أول أحوال يوم القيامة، ثم ينسفها الله في خلال ذلك فكتون كالعهن ثم تصبر هباء منبثًا {صُنْعَ الله} مصدر، والعامل فيه محذوف، وقيل: هو منصوب على الإغراء: أي انظروا صنع الله.
{مَن جَاءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} قيل: إن الحسنة لا إله إلا الله، واللفظ أعم، ومعنى: {خَيْرٌ مِّنْهَا} أن له بالحسنة الواحدة عشرًا {مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} من نون فزع فتح الميم من {يَوْمَئِذٍ} ومن أسقط التنوين للإضافة قرأ بفتح الميم على البناء أو بكسرها على الإعراب {وَمَن جَاءَ بالسيئة} السيئة هنا الكفر، والمعاصي التي قضى الله بتعذيب فاعلها.
{هَذِهِ البلدة} يعني مكة {الذي حَرَّمَهَا} أي جعلها حرمًا آمنًا، لا يقاتل فيها أحد ولا ينتهك حرمتها، ونسب تحريمها هنا إلى الله؛ لأنه بسبب قضائه وأمره، ونسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبراهيم عليه السلام في قوله: «إن إبراهيم حرّم مكة» لأن إبراهيم هو الذي أعلمَ الناس بتحريمها، فليس بين الحديث والآية تعارض وقد جاء في الحديث آخر أن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض {وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ المنذرين} إي إنما عليّ الإنذار والتبليغ {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} وعيد بالعذاب الذي يضطرهم إلى معرفة آيات الله، إما في الدنيا أو في الآخرة. اهـ.

.قال الخازن:

قوله: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى}.
هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية، وقيل: يحمده على جميع نعمه وسلام على عباده الذين اصطفى يعني الأنبياء والمرسلين وقال ابن عباس: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين {الله خير أما يشركون} فيه تبكيت للمشركين وإلزام الحجة عليهم بعد هلاك الكفار.
والمعنى آلله خير لمن عبده أم الأصنام لمن عبدها فإن الله خير لمن عبده وآمن به لإغنائه عنه من الهلاك والأصنام، لم تغن شيئًا عن عابديها عند نزول العذاب، ولهذا السبب ذكر أنواعًا تدل على وحدانيته وكما قدرته.
فالنوع الأول قوله تعالى: {أمن خلق السموات والأرض} ذكر أعظم الأشياء المشاهدة الدالة على عظيم قدرته.
والمعنى الأصنام خير أم الذي خلق السموات والأرض ثم ذكر نعمه فقال: {وأنزل لكم من السماء ماء} يعني المطر {فأنبتنا به حدائق} أي بساتين جمع حديقة، وهو البستان المحيط عليه فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة {ذات بهجة} أي ذات منظر حسن والبهجة الحسن يبتهج به من يراه {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} يعني ما ينبغي لكم، لأنكم لا تقدرون على ذلك لأن الإنسان قد يقول: أنا المنبت للشجرة بأن أغرسها وأسقيها الماء فأزال هذه الشبهة بقوله: {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} لأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف، والطعوم والروائح المختلفة والزروع تسقى بماء واحد، لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ ولا يتأتى لأحد وإن تأتى ذلك لغيره محال {أإله مع الله} يعني هل معه معبود أعانه على صنعه {بل} يعني ليس معه إله ولا شريك {هم قوم} يعني كفار مكة {يعدلون} يشركون وقيل يعدلون عن هذا الحق الظاهر إلى الباطل.
النوع الثاني قوله: {أمن جعل الأرض قرارًا} أي دحاها وسواها للاستقرار عليها، وقيل لا تميد بأهلها {وجعل خلالها أنهارًا} أي وسطها بأنهار تطرد بالمياه {وجعل لها رواسي} أي جبالًا ثوابت {وجعل بين البحرين} يعني العذاب والملح {حاجزًا} أي مانعًا لا يختلط أحدهما بالآخر {أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون} أي توحيد ربهم وقدرته وسلطانه.
النوع الثالث قوله تعالى: {أمن يجب المضطر} أي المكروب المجهود، وقيل: المضرور بالحاجة المحوجة من مرض أو نازلة من نوازل الدهر يعني إذا نزلت بأحد بادر إلى الالتجاء والتضرع إلى الله تعالى وقيل: هو المذنب إذا استغفر {إذا دعاه} يعني فيكشف ضره {ويكشف السوء} أي الضر لأنه لا يقدر على تغيير حال من فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة ومن ضيق إلى سعة إلا القادر، الذي لا يعجز والقاهر الذي لا يغلب ولا ينازع {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي سكانها، وذلك أنه ورثهم سكانها والتصرف فيها قرنًا بعد قرن وقيل يجعل أولادكم خلفاء لكم وقيل: جعلكم خلفاء الجن في الأرض {أإله مع الله قليلًا ما تذكرون} أي تتعظون.
النوع الرابع قوله: {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر} أي يهديكم بالنجوم والعلامات إذا جن عليكم الليل مسافرين في البر والبحر {ومن يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته} أي قدام المطر {أإله مع الله تعالى عما يشركون}.
النوع الخامس قوله تعالى: {أمن يبدأ الخلق} أي نطفًا في الأرحام {ثم يعيده} بعد الموت {ومن يررقكم من السماء والأرض} أي من السماء بالمطر ومن الأرض بالنبات {إإلهة مع الله قل هاتوا برهانكم} أي حجتكم على قولكم إن مع الله إلهًا آخر {إن كنتم صادقين} قوله تعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة.
والمعنى أن الله هو الذي يعلم الغيب وحده ويعلم متى تقوم الساعة {ما يشعرون أيان يبعثون} يعني أن من في السموات وهم الملائكة ومن في الأرض وهم بنو آدم لا يعلمون متى يبعثون والله تعالى تفرد بعلم ذلك {بل ادارك علمهم} أي بلغ ولحق علمهم {في الآخرة} هو ما جهلوه في الدنيا وسقط عنهم علمه.